زكي مبارك

24

عبقرية الشريف الرضي

ما في ديوان الشريف من اللؤلؤ المكنون أعيذكم أن تظنوا أن ذلك الشاعر خلا ديوانه من الأبيات النوادر التي تفصح عن بصره بخلائق المجتمع وسرائر الناس ، فقد أستطيع أن أجزم بأنه في هذه الناحية أشعر من المتنبي : لأن المتنبي كان يقصد إلى الحكمة قصدا ، ويتعمدها وهو متكلف ، أما الرضي فكانت الحكمة تسبق إلى خاطره من فيض السجية والطبع ، فيرسلها عفوا بلا تصنع ولا اعتساف . ما رأيكم في هذا البيت : إذا قلّ مالي قلّ صحبي وإن نما * فلي من جميع الناس أهل ومرحب وهذا البيت : يغرّ الفتى ما طال من حبل عمره * وترخي المنايا برهة ثم تجذب وهذا البيت : وآمل أن تقي الأيام نفسي * وفي جنبي لها ظفر وناب وهذا البيت : تفدي الفتى في عيشه ألسن * وما له من حتفه فاد وهذا البيت : كل حبس يهون عند الليالي * بعد حبس الأرواح في الأجساد وهذا البيت : علامة العز أن حسدت به * إن المعالي قرائن الحسد وهذا البيت : ينال الفتى من دهره قدر نفسه * وتأتي على قدر الرجال المكايد ( 1 )

--> ( 1 ) في هذا البيت معنى يغاير قول المتنبي : على قدر أهل العزم تأتي العزائم * وتأتي على قدر الكرام المكارم